الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

124

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والرسول : فعول بمعنى مفعل ، أي مرسل . والأصل فيه مطابقة موصوفه ، بخلاف فعول بمعنى فاعل فحقه عدم المطابقة سماعا ، وفعول بمعنى اسم المفعول قليل في كلامهم ومنه : بقرة ذلول ، وقولهم : صبوح ، لما يشرب في الصباح ، وغبوق ، لما يشرب في العشي ، والنّشوق ، لما ينشق من دواء ونحوه . ولكن رسول يجوز فيه أن يجرى مجرى المصدر فلا يطابق ما يجري عليه في تأنيث وما عدا الإفراد ، وورد في كلامهم بالوجهين تارة ملازما الإفراد والتذكير كما في هذه الآية ، وورد مطابقا كما في قوله تعالى : فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ في سورة طه [ 47 ] ، فذهب الجوهري إلى أنه مشترك بين كونه اسما بمعنى مفعول وبين كونه اسم مصدر ولم يجعله مصدرا إذ لا يعرف فعول مصدرا لغير الثلاثي ، واحتج بقول الأشعر الجعفي : ألا أبلغ بني عمرو رسولا * بأني عن فتاحتكم غنيّ ( الفتاحة : الحكم ) . وتبعه الزمخشري في هذه الآية إذ قال : الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة فجعل ثمّ ( أي في قوله : إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ في سورة طه [ 47 ] ) بمعنى المرسل ، وجعل هنا بمعنى الرسالة . وقد قال أبو ذؤيب الهذلي : ألكني إليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر فهل من ريبة في أن ضمير الرسول في البيت مراد به المرسلون . وتصريح النحاة بأن فعولا الذي بمعنى المفعول يجوز إجراؤه على حالة المتّصف به من التذكير والتأنيث فيجوز أن تقول : ناقة ركوبة وركوب ، يقتضي أن التثنية والجمع فيه مثل التأنيث . وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في سورة طه وأحلنا تحقيقه على ما هنا . ومبادأة خطابهما فرعون بأن وصفا اللّه بصفة ربّ العالمين مجابهة لفرعون بأنه مربوب وليس بربّ ، وإثبات ربوبية اللّه تعالى للعالمين . والنفي يقتضي وحدانية اللّه تعالى لأن العالمين شامل جميع الكائنات فيشمل معبودات القبط كالشمس وغيرها ، فهذه كلمة جامعة لما يجب اعتقاده يومئذ . وجملة : أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ تفسيرية لما تضمنه رَسُولُ من الرسالة التي هي في معنى القول ، أي هذا قول ربّ العالمين لك . و أَرْسِلْ مَعَنا أطلق ولا تحبسهم ، فالإرسال هنا ليس بمعنى التوجيه . وهذا الكلام يتضمن أن موسى أمر بإخراج بني إسرائيل من بلاد الفراعنة لقصد تحريرهم من استعباد المصريين كما سيأتي عند قوله تعالى : أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ [ الشعراء : 22 ] ، وقد تقدم في سورة البقرة بيان أسباب سكنى بني إسرائيل بأرض مصر ومواطنهم بها وعملهم لفرعون .